محمد أبو زهرة

2185

زهرة التفاسير

وهذا يزكى معنى النهى عن أن يكون منهم ما يحزن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه لا يتوقع من الكفار الذين مردوا على النفاق إلا الإيغال فيه ، والازدياد في الشر . وقد بين سبحانه نوع هؤلاء الناس ، فقال تعالت كلماته : مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ . مِنَ هنا بيانية ، فهي تدل على أن ما بعدها بيان للذين يسارعون في الكفر متنقلين في دركاته موغلين في الجحود ، وقد كان أول وصف يدل على جحودهم الشديد ، وإمعانهم في الضلال والتضليل هو أنهم يقولون : « آمنا » بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ، وقوله تعالى بأفواههم متعلق بقوله تعالى : قالُوا . وقدم قوله تعالى آمَنَّا على قوله تعالى بِأَفْواهِهِمْ للإشارة إلى مسارعتهم بقول الإيمان وإعلانه وذكره ، إمعانا في التضليل والنفاق ، ولأن قول الله تعالى بِأَفْواهِهِمْ ، ولو أنه متعلق بكلمة قالُوا فيه حكم على ادعائهم الإيمان والحكم يتأخر دائما عن واقعة الحكم ، فالواقعة قولهم آمَنَّا ، والحكم من الله تعالى بأنه إيمان بالأفواه ، لا بالقلوب فهو إعلان عن الإذعان ، ولقد أكد سبحانه وتعالى ذلك الحكم بقوله تعالى : وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ أي لم تذعن للحق وتسلم به وتخضع له قلوبهم ، وليس المعنى لم تصدق قلوبهم ؛ لأن الإيمان ليس هو المعرفة المجردة ، بل إنه إذعان وخضوع لما تقتضيه المعرفة ويقينها ، فإن من أولئك يهودا كانوا يعرفون محمدا كما يعرفون أبناءهم ، ولكن معرفتهم هذه صحبها تمرد على الحقائق ، وعبث ، وسير في الجحود ، فلا يمكن أن يتحقق الإيمان منهم ، وإن كانت لديهم المعرفة بالحقائق ، إذ لم يذعنوا لها ، والتعبير بالأفواه بدل الألسنة - إشارة إلى تزيين كلامهم فقط حتى صار الفم كله يشترك في ادعاء الإيمان لا طرف اللسان فقط . وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ هي داخلة في البيان الذي دلت عليه « من » الأولى ، وعلى ذلك يكون هؤلاء داخلين في الذين يسارعون في الكفر ، فإنهم فريقان ، فريق المنافقين ، وفريق اليهود الذين